المامقاني
243
غاية الآمال ( ط . ق )
عاقل فضلا عن فاضل الا ان يدعى ان ألفاظ العقود انما نقلت في هذا المورد الخاص الَّذي هو مقام إنشاء العقد كما حكاه بعض من تأخر عن بعضهم وأنت خبير بان تحقق نقل اللَّفظ عن معنى إلى أخر مقيدا بالاقتران بلفظ أو وروده في مقام خاص مما لا يعقل خصوصا في الوضع التعيني فمآل ذلك إلى أن الاستعمال مشروط بالقرينة كما فيما نحن فيه فان من أعطى النظر حقه يجزم بان لفظ بعت مثلا لا يصرف من معنى الاخبار إلى الإنشاء الا ان تقوم هناك قرينة مفضية إلى كون المراد هو الإنشاء ولكنّ الإنصاف انه لا مانع من النقل إذ ليس حاله أولى من الوضع الأصلي ونحن نرى ان لفظة لما مع المضارع موضوعة للنفي ومع الماضي للظرفية الزمانيّة الماضوية وكذا لفظة قد تفيد التقليل مع المضارع ومجرّد التحقيق العاري عنه مع الماضي وهكذا غيرهما كما لا يخفى على من أمعن النظر في كثير من الألفاظ العربيّة فتدبر مسئلة الأشهر كما قيل لزوم تقديم الإيجاب على القبول قوله كما عن الإيضاح و ( جامع المقاصد ) قال في الأخير الأصحّ الاشتراط انتهى قوله ولعله الأصل بعد حمل آية وجوب الوفاء على العقود المتعارفة لأن الأصل عدم سببية ما شك في سببيته فيبقى استصحاب بقاء المال على ملك مالكه سليما عن الرافع وعلى هذا القياس لو كان العقد مما يتعلَّق بغير المال كالنكاح فإن أصالة عدم سببية الإيجاب المؤخر يقتضي استصحاب عدم حل الاستمتاع بالمرأة المعقود عليها بالعقد المشكوك في صحّته قوله وزاد بعضهم ان القبول فرع الإيجاب فلا يتقدم عليه وانه تابع له فلا يصح تقدمه هذا هو الوجه الثاني للقائلين باشتراط تقديم الإيجاب على القبول واتباع قوله فرع الإيجاب بقوله فلا يتقدم عليه مع اتباع قوله وانه تابع له بقوله فلا يصحّ تقدّمه عليه يؤذن بأنهما دليلان متغايران والموجود في كلام بعضهم حكايته بقوله انه فرع الإيجاب ومطاوع له وتابع له فلا يتقدم عليه بزيادة وجه ثالث وهو ان القبول إضافة فلا يصحّ تقدمها على المضاف إليه ورابع بان مورد بعتك معوض ومورد اشتريت عوض والعوض فرع المعوض طبعا فيقدم وضعا ويمكن توجيه كلام ( المصنف ) ( رحمه الله ) بان مراده الإشارة إلى دليلين بان يجعل الفرعيّة إشارة إلى كونه إضافة والتابعية إشارة إلى كونه مطاوعا أو بالعكس قوله ( رحمه الله ) وحكى في غاية المراد عن ( الخلاف ) الإجماع عليه وليس في ( الخلاف ) في هذه المسئلة الا ان البيع مع تقديم الإيجاب متفق عليه فيؤخذ به فراجع اعتراض على الشّهيد ( قدس سره ) من حيث إن كون تقديم الإيجاب متفقا على صحّته لا يقتضي الاتفاق على اشتراط تقديم الإيجاب على القبول ويمكن التوفيق بين عبارته في الكتاب المذكور وبين ما حكاه ( المصنف ) ( رحمه الله ) عن ( الخلاف ) في المؤدّى لأنه ذكر فيه ما نصّه واستدل عليه في ( الخلاف ) بالإجماع وعدم الدّليل على خلافه انتهى ومراده الإجماع على صحّة ما قدم فيه الإيجاب وعدم الدّليل على صحّة ما قدم فيه القبول فيصير حاصله الأخذ بالمتفق عليه وترك غيره لكن الإنصاف انه خلاف ( الظاهر ) وأظهر منه في المعنى الَّذي اعترض عليه ( المصنف ) ( رحمه الله ) عبارة الشّهيد الثاني ( قدس سره ) في ( المسالك ) حيث قال وذهب جماعة من الأصحاب إلى اعتبار تقديمه بل ادعى عليه الشّيخ في ( الخلاف ) الإجماع انتهى قوله خلافا للشيخ في ( المبسوط ) في باب النكاح وان وافق الخلاف في البيع الا انّه عدل عنه في باب النكاح أشار بهذا الكلام إلى القول المقابل للأشهر وغرضه ان الشيخ ( قدس سره ) في كتاب النكاح من ( المبسوط ) حكم بجواز تقديم القبول في عقد البيع على الإيجاب وان قال في كتاب البيع من ( المبسوط ) بلزوم تقديم إيجابه على قبوله قال في كتاب البيع عقد النّكاح ينعقد بالإيجاب والقبول سواء تقدّم الإيجاب فقال زوّجتك بنتي فقال قبلت النكاح أو تأخر الإيجاب كقوله زوجني بنتك فقال زوّجتك بلا خلاف فامّا البيع فان تقدّم الإيجاب فقال بعتك فقال قبلت صحّ بلا خلاف وان تقدّم القبول فقال بعنيه بألف فقال بعتك صحّ والأقوى عندي انه لا يصحّ حتّى يقول المشترى بعد ذلك قبلت انتهى وذكر في كتاب النكاح العبارة الَّتي سيحكيها ( المصنف ) ( رحمه الله ) التي أولها إذا تعاقدا فان تقدم الإيجاب على القبول فقال زوّجتك إلى قوله وقال قوم منهم لا يصح حتى يسبق الإيجاب ثمّ قال الشّيخ ( قدس سره ) فامّا ان قال أتزوجنيها فقال زوّجتكها أو قال أتبيعنيها فقال بعتكها لم ينعقد حتى يقبل الإيجاب لأن السابق على الإيجاب استفهام انتهى فقد أفتى في كتاب البيع بلزوم تأخر قبوله عن إيجابه وجوز تقدمه على الإيجاب في كتاب النكاح فعدل عما كان قد بنى عليه تنبيهات الأوّل ان الذي استفيد من كلامه ( قدس سره ) من تجويزه تقديم القبول على الإيجاب انما هو خصوص ما لو كان بلفظ الأمر دون غيره تبعا للنص ولهذا صرّح بان تقديم ما هو بلفظ الاستفهام غير جائز لكن يبقى هنا شيء وهو ان تقديم أتزوّجك مثلا كما في خبر أبان بن ثعلب هل يجوز عنده أم لا وغير خفي عليك ان لا تصريح في كلامه لكن يمكن استفادة جواز تقديم مثل ذلك من قوله لان السّابق على الإيجاب استفهام نظرا إلى أن معناه ان الاستفهام ليس قبولا ومثل أتزوّجك أو تزوجتك قبول فتأمّل الثاني انه استفيد من كلامه في كتاب البيع انه لا ملازمة بين القول بجواز تقديم القبول في عقد النكاح وبين القول بجواز تقديمه في عقد البيع حتى يلزم القائل بجواز التّقديم في النكاح القول بجوازه في البيع أو غيره من العقود وذلك لأنه جوز التّقديم في النكاح دون البيع والسر في ذلك ما أشرنا إليه من أنه استفاد الحكم في النكاح من النص وقد استقر عليه رأى ابن إدريس ( رحمه الله ) في ( السرائر ) فإنّه ذكر قبل باب المهود بأسطر ما نصه ولا بأس ان يتقدّم القبول على الإيجاب في عقد النّكاح عندنا ولا يجوز ذلك في عقد البيع ولا بد أن يأتي بلفظ الاخبار في الإيجاب ولا يجوز ان يأتي بلفظ الأمر أو الاستفهام لأنه لا خلاف في صحة أن يأتي به على ما قلناه وفيما عداه خلاف وأيضا فالعقد حكم شرعي يحتاج في ثبوته إلى دليل شرعي انتهى ومن هنا تعرف سقوط ما صرّح به بعض المعاصرين من أنه لا فرق عندهم بين البيع وباقي العقود في الحكم المزبور لاتحاد المناط انتهى نعم من تعدى عن النكاح إلى غيره من شيء من العقود كالبيع مثلا لم يفرق بينه وبين غيره كالإجارة مثلا لان الحكم في غير النكاح لا بد وان يبتنى على شيء من القواعد أو العمومات كتنقيح المناط أو قوله ( تعالى ) : « أَوْفُوا بِالْعُقُودِ » ولا فرق في ذلك بين البيع وغيره والَّذي يمكن فيه سريان احتمال عدم التعدّي انما هو خصوص مورد النّص الذي هو النكاح ولا يمكن حمل كلام المعاصر المذكور على هذا المعنى لان لفظ باقي العقود لا يدل على إرادة خصوص ما عدا النكاح عنها لا وضعا ولا بالقرينة لانتفائهما جميعا الثالث انّه قال الشّهيد ( قدس سره )